الدمام: حبيب محمود
دخلت إجراءات نزع ملكية قصر الفيحاني التاريخيّ عامها السادس والعشرين؛ وسط توقعات بتحرّك يُثمر عن إنقاذ هذا المعلم التاريخيّ من الاندثار الكامل. المفاوضات بين الهيئة العليا للسياحة وبين الورثة مُتداولة بين الأوراق والمعاملات. وميدانياً تمارس أطلال القصر صمتها الشاهد على إهمال استمرّ طيلة المدة التي وضعت إدارة المتاحف والآثار يدها على القصر الأثري، قبل أن تنتقل الإدارة من ملاك وزارة التربية والتعليم إلى الهيئة العليا للسياحة.
وفي الوقت الذي تحفـّظ فيه مدير الآثار في المنطقة الشرقية عبدالحميد الحشّاش على تفاصيل ما يجري بين الورثة والهيئة؛ فإنه أكد وجود مفاوضات جادة لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه من هذا المعلم الأثري الذي يمثـّل مرحلة مهمة من تاريخ المنطقة الشرقية. وقال الحشاش لـ"الوطن" إن "الوقت مبكر للكشف عن التفاصيل، هناك إجراءات فنية وإدارية جارية"، وأضاف أن "الهيئة تثمّن القيمة التراثية والأثرية للموقع" الذي يعود تأسيسه إلى ما بعد عام 1150هـ، حسب المؤرخ علي الدرورة الذي أوضح أن "القصر كان هدية من الحكومة العثمانية للباشا الفيحاني منحته إياه عام 1303هـ". و قال الحشاش "نأمل أن تنجح المساعي لإضافة الموقع للهيئة وخدمة الآثار الوطنية".
جغرافياً تقع أطلال القصر في شبه جزيرة "دارين" المتصلة بجزيرة تاروت، وهذه الأخيرة مرتبطة بمحافظة القطيف. وتاريخ الساحل الشرقيّ يضعُ ساحليْ دارين والعقير في صدارة الموانئ التجارية التي لعبت أدواراً في التبادل التجاري بين شبه الجزيرة العربية وموانئ الهند والصين في التاريخ السحيق، علاوة على لعب أدوار أخرى لا تقلّ أهمية في تاريخ تجارة اللؤلؤ الطبيعي قبل انهيارها على إثر اكتشاف استزراع اللؤلؤ الصناعي في اليابان في ثلاثينيات القرن الميلادي الماضي. ويُمكن القول إن قصر الشيخ الفيحاني كان شاهداً على مرحلتين وقعتا قبل وبعد انهيار عصر اللؤلؤ. ومن جهة أخرى اجتمعت فيه ملامح المعمار الخليجي في العهد العثمانيّ بما تنطوي عليه من مظاهر الوجاهة والثراء ومتطلّبات الأمن.
كان الشيخ الفيحاني الذي ولد في البحرين عام 1260هـ وتوفي في الهند عام 1324هـ؛ واحداً من أبرز تجار اللؤلؤ في منطقة الخليج، ورغم أنه أمضى الجزء الأول من حياته في المحرّق؛ فإنه ارتبط بصلات قوية بحكـّام البحرين والكويت والأحساء وقطر وعمان. وفي عهد السلطان عبدالحميد منحه والي الأحساء لقب الباشوية سنة 1303هـ، وهي السنة نفسها التي انتقل فيها إلى دارين حيث اتخذها موطناً، وسكن قصره الفاره عند الميناء التاريخي، بعد إعادة ترميمه وإصلاحه. وقتها كانت دارين شبه خالية من السكان، وقد اجتذب الفيحاني إلى القرية المنزوية سكاناً من قطر جراء اضطرابات سياسية حدثت وقتها.
وقد كان القصر يعكس مفهوم "القلعة" المسوّرة، ويقول المؤرخ الدرورة إنه كان يقع فوق مرتفع صخري، وتمّ إنشاؤه على شكل شبه مستطيل منفصل عن منازل قرية دارين القديمة. وللقلعة أبواب من الجهات الأربع، ثلاثة منها من جهة الجنوب مطلة على البحر، والباب الكبير هو الرئيسي وهو الأوسط. وقد استـُخدم الباب الغربي للنساء، أما الباب الشرقي فكان خاصاً بالبرج. وكانت القلعة مكونة من طابقين وفي الزاوية الشرقية الجنوبية كان يقع البرج الاسطواني الذي كانت وظيفته أمنية. يضيف الدرورة "بعد وفاة الباشا الفيحاني انتقلت ملكية القلعة إلى ورثته الذين عاشوا فيها ردحاً من الزمن ثمّ هجروه، ليبقى مجرد أثر ٍ مهمل". وفي عام 1404هـ بدأت إدارة المتاحف والآثار مع الورثة إجراءات نزع ملكية الموقع، لكن هذه الإجراءات تحوّلت، مع السنوات، إلى تاريخ بيروقراطيّ من المفاوضات والمراجعات والإجراءات المتباطئة، في الوقت الذي أخذت معالم القصر تتساقط جزءاً جزءاً.
منقول من جريدة الوطن السعودية